تحقيق: البناؤون والعمال معاناة ومخاطر تهدد حياتهم

  • الاشتراكي نت/عمر القاضي- الثوري

الجمعة, 28 شباط/فبراير 2014 19:53
قيم الموضوع
(0 أصوات)

كان يوم السبت الماضي يوماً مؤلماً لأسرة رشاد سلام الذي سقط من أعلى عمارة يبلغ ارتفاعها ثلاثة أدوار ليصل الى الأرض مغمى عليه نقل إثرها الى مستشفى الاستشاري في العاصمة صنعاء. العمارة تقع في منطقة العشاش حي حدة، رشاد سقط قبل موعد أذان المغرب أثناء نزوله من العمارة ناوياً المغادرة الى سكنه لكنه الآن يرقد في المستشفى الاستشاري وحسب ما قاله اقرباء رشاد لصحيفة «الثوري» إن رشاد تعرض لإصابة بليغة في ظهره ما سبب له كسوراً لأربع فقرات في عموده الفقري. وتعد حادثة رشاد من حوادث متكررة يتعرض لها العمال اليمنيون بخاصة معلمو البناء، والذين قامت صحيفة «الثوري» الأسبوع الماضي بزيارتهم والبحث خلف هذه القصص والحوادث وعرض معاناة العمال الذين يلقون حتفهم نتيجة تساقطهم المستمر من أعالي العمارات؟

يتساقط العمال والبناؤون والموقصون من جدران ومن مرتفعات العمارات بشكل دائم لنسمع ضحية تهوي بعد أخرى ومن دون ان يستفيد بقية العمال من هذه الحوادث منهم من ينتقل الى المستشفى ويفارق الحياة هناك ومنهم من يبقى بإعاقة دائمة فوق سرير لسنوات منتظراً عودة الحركة لأطرافه ومنهم من يشفى بعد معاناة يتكبدها قد يؤهل بعدها للمشي والحركة فقط وبطريقة ليست كما كان عليها في السابق ولم يعد مؤهلاً للعمل مرة أخرى.

احصائية جديدة ومخيفة

حسب ما نشره تقرير البنك الدولي مؤخراً ان تفاقم وارتفاع البطالة وبالذات في صفوف الشباب اليمنيين لتصل نسبة البطالة في أوساطهم الى %60، وقال إن هذا الارتفاع المخيف نتج عن أسباب عدة منها ترحيل اليمنيين الذين كانوا يعملون في المملكة السعودية الى جانب بطء النمو الاقتصادي، وأوضح التقرير ان اليمن سجلت أعلى معدلات الفقر في منطقة الشرق الأوسط. وهذا ما جعل الشارع اليمني يتكدس بعدد الباحثين عن العمل في الجولات بالاضافة الى التقرير الذي جاء يحمل رقمتاً مخيفاً لبلد يعاني من تحديات كبيرة من ضمنها الوضع الاقتصادي الهش.

الأسباب الأساسية للسقوط

لكل حادثة سقوط سبب ومن ضمن هذه الأسباب التي قام بإحصائها عدد من العمال لصحيفة «الثوري». قالوا: ان العامل النفسي قد يكون السبب الأول لسقوط العامل ومعلم البناء ويلي هذا السبب ايضاً انشغال وشرود العامل والمعلم اثناء ممارستهم عملهم بعدة تفاصيل مثل غلاء المعيشة والضغط النفسي على العمال من قبل أرباب العمل والمقاولين وهناك ضغوط نفسية تقع على عاتق العمال من مسؤولية وإعالة أسر واطفال خلفهم الى جانب كيفية البحث عن حلول لقضاء ديونهم التي تتراكم عليهم.

واضاف العمال ان هناك عاملاً مهماً جداً يكون احياناً سبباً لتعرضهم لهذه الحوادث كقلة الأكل والنوم التي تجعل عامل البناء غير طبيعي اثناء العمل. هذه العوامل النفسية تأتي مع عوامل اخرى في العمل نفسه مثل رداءة السقالات التي يقف عليها البناؤون والعمال اثناء عملهم التي يقوم العمال والبناؤون انفسهم بتشكيل سقالات لهم وبطريقة تقليدية ليست مهيأة للركوب والمشي عليها، البعض يقوم بوضع عدد من المرابيع تقدر من 2 الى 3 مرابيع وعرض كل واحد منها 7سم، وشرائر لا يزيد عرض الواحدة منها عن 2سم.

ويقول علي القمعري يعمل في مهنة البناء: إن العمال والبنائين يتركون اثناء مغادرتهم العمل تلك السقالات التي يقف عليها من أجل العمل عالقة على الجدران حتى اليوم الثاني وعندما يقوم حارس العمارة أو المكلف بالرش على الأسمنت تتعرض المرابيع للماء وتشرب منه مما يعمل على توسيع فتحات مسامير الشرائر التي تربط المرابيع مع بعضها وعندما يطلع معلم البناء عليها من اجل العمل تخرج هذه الشرائر ما يسبب بسقوط المرابيع مع العامل.

وأضاف علي القمعري ان من ضمن الأسباب السالفة الذكر حجم المواد والأحجار وخلطة الاسمنت والبناء وادواته وهذا يشكل عبئاً كبيراً على السقالة التي يعمل فوقها مما يجعلها غير متزنة ومهيأة للكسور وآيلة للسقوط. متابعاً قوله ان بعض معلمي البناء لا يقومون بإطفاء منشار الجلخ الذي يستخدمه في البناء اثناء انطفاء الكهرباء فوق السقالة وعندما تنطفئ الكهرباء وتولع مرة اخرى يشتغل الجلخ فوق السقالة بعيداً عن العامل مما يرغمه على الجري فوق السقالة بشكل سريع من اجل اطفائه مما يتسبب احيانا بسقوط عامل البناء.

واحياناً عامل البناء يشتغل من فوق جدار «المدماك» الذي يكون عرضه 40سم وهذه المسافة الضيقة لا تكفي لحركة عامل البناء مع اكتضاض ادواته والأحجار.

ويشيرعبدالله الصنوي معلم بناء ان الأسلاك الكثيفة والمكشوفة تمسك العامل اثناء مشيه مما تسبب له السقوط وتضرب به إلى الأرض.

أغلب معلمي البناء وعمالهم والموقصين من الحجرية

قف في أي جولة يتواجد فيها عدد من العمال واسأل أي عامل هناك من اين انت؟ سوف يجيب عليك ببراءة انا من تعز من الحجرية وأحياناً من محافظة إب وهناك عمال يعملون في مهنة البناء من محافظات اخرى مثل عمران والمحويت وريمة وبعض مديريات تابعة لمحافظة صنعاء. لكن الغريب حينما تكون قرى جميع ابنائها يعملون في مهنة البناء او الوقيص كما هو حاصل في مديريتي المعافر او الشمايتين فنادراً ما تجد داخل هذه القرى من يمارس مهنة اخرى.

ويقول نجيب معلم بناء ومن ابناء المعافر ان كل شخص من قريته يكمل الثانوية في القرية ومن ثم يأتي الى العاصمة صنعاء لا ينصحوه بإكمال الدراسة وانما ينصحوه بتعلم الوقيص والبناء ويظل مولعاً بهذه المهنة وبعض معلمي البناء يأتون بأطفالهم من القرية من اجل العمل خلفهم ولا يسمح لهم بالدراسة.

أجور العمال وتعلم مهنة البناء

يقول ناصر الزعزعي معلم بناء ان معلم البناء يحصل على اجر يومي يقدر ما بين 6 الى 7 آلاف ريال في اليوم الواحد والبعض يأخذ العمل بالمتر ويسمى مقاول ويحسب له المتر حسب اتفاقه مع صاحب العمل أو المقاول وغالباً يقدر سعر المتر بـ5 آلاف والبعض يأخذه بمبلغ 6 آلاف والبعض يأخذه بـ7 آلاف ريال. هذا المبلغ الزهيد جعل الكثير من العمال يتعلم مهنة البناء الى جانب أجرهم الزهيد الذي يقدر بـ3 آلاف ريال، اما الموقصون يحصلون على أجر يقدر بـ4 آلاف واحيانا يصل الى 5 آلاف ريال يومياً. هذا المبلغ الزهيد قال انه لا يكفي العمال والموقصين لقضاء حاجاتهم اليومية ولا يقدرون على توفير مبالغ منه الى جانب الايجارات والالتزامات الأسرية وهذا ما يرغم اغلب العمال على تعلم مهنة البناء من معلميهم الذين يسمحون لهم تعلم هذه المهنة وغالباً ما يتعلمونها خلال شهر الى شهرين واحياناً اقل من هذه الفترة.

المنور كمين لاصطياد العمال

المنور عبارة عن فتحة مربعة تمتد من اسفل العمارة حتى نهايتها ويكون هو مكاناً «للمصعد»، وللمنور باب في كل دور بالقرب من باب الدرج. ومن الخطأ الفادح ان يتركه المقاول وصاحب العمل مفتوحاً اثناء سير العمل. ويفترض اغلاقه في كل دور بقاطع من البلك او الأحجار حتى ولو كان ارتفاعه بسيطاً حتى لا يتكرر وقوع وتساقط العمال الى قاعة المنور في الدور الأول. وقد كانت بوابة المنور «المصعد»، قبل سنوات سبباً لسقوط الموقص فتح عبدالعزيز في داخلها ليسقط من الدور الثالث عبر بوابة المنور ليصل الى الدور الأول حينما اخطأ في الباب اثناء عودته بعد تجهيز فرمة الجزيرة -وهي نوع من الأحجار- لمعلمه بعد الظهيرة. تم نقله الى مستشفى الاسراء القريب من دار سلم مكان العمل وقد سببت له كسوراً في فقرات عموده الفقري، إصابته هذه جعلته معاقاً لفترة قدرت بسبعة اشهر ومنع عن العودة للعمل مرة اخرى.

المقاولون الجدد

يقول العامل سليمان الجبزي عبارة تبدو انها عكست واقعه القاسي لقربه من المعاملات ومعرفة المقاولين أكثر من غيره «زاد المقاولون وضاعت الزلط».

كان في السابق المقاولون معروفون وعددهم قليل، الآن ازداد عددهم لهذا يقوم المقاولون بأخذ العمل بمبالغ ناقصة من المبالغ المفترض الحصول عليها، وهذا فقط من اجل ان يشتغلوا لكن بعد ان يتفق المقاول مع الجهة ومن ثم ينزل الى جولات العمال ليأخذ عمالاً بأجر ناقص عن الأجر الذي يحصل عليه العمال.

اما في ما يخص تعرض العامل لإصابة اثناء العمل او تعرضه لسقوط من أعلى العمارة قال: ان المقاول يقوم بإسعافه الى المستشفى واخذ العلاجات للعامل ومن ثم يغيب المقاول ويغلق هاتفه في حالة ان المصاب طلب اعانة مادية له أو لأسرته. واحياناً يقوم العمال المصابون بتقديم شكاوى بالمقاولين المتهربين من استكمال معالجتهم وأكد انه لاحظ ان بعض المقاولين يقوم برشوة ضباط القسم بمبالغ مما يجعلهم يهربون ويعودون الى استكمال أعمالهم، وواصل سليمان بقوله: إن اغلب المقاولين لا يكشفون لأحد أماكن سكنهم تجنباً من العمال الذين يقومون بملاحقتهم من اجل الحصول على أجرهم، مشيراً الى ان بعض المقاولين لا يحاسبون عمالهم ويعطونهم مبالغ زهيدة كمصاريف وبعد ذلك يقومون بإنكارهم.

الخميس يوم الحساب

يعد يوم الخميس آخر أيام الاسبوع وهو يوم اجازة لكن هذا اليوم بالنسبة للعمال اليمنيين يوم خير وحساب. يوم يظل العامل ينتظره بحفاوة منذ أول يوم في الأسبوع. يقول العمال ان اغلب المقاولين وأرباب العمل يقومون بمحاسبة العمال في هذا اليوم وبقية الأيام الثانية لا يحصلون إلا على مصاريف يومية فقط والبعض منهم لا يحاسب عماله في هذا اليوم مما يجعل العامل غير مهيأ للعمل بسبب الضغوطات التي تتكالب عليه من عدة جهات.

...للتحقيق صلة

قراءة 4244 مرات آخر تعديل على الجمعة, 28 شباط/فبراير 2014 22:39

من أحدث

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة